السيد علي عاشور
99
موسوعة أهل البيت ( ع )
فكيف تدعوني إلى أمر إنّما تطلبه بحق أبيك ، وقد خرج منه ! فانظر لنفسك ولدينك . والسّلام . قال : ثم قال للحارث وجندب : إرجعا فليس بيني وبينكم إلّا السيف ؛ فرجعا وأقبل إلى العراق في ستين ألفا ؛ واستخلف على الشام الضحّاك بن قيس الفهريّ والحسن مقيم بالكوفة ، لم يشخص حتى بلغه أنّ معاوية قد عبر جسر منبج ، فوجّه حجر بن عديّ يأمر العمال بالاحتراس ، ويذبّ الناس ، فسارعوا . فعقد لقيس بن سعد بن عبادة على اثنى عشر ألفا ، فنزل دير عبد الرحمن ، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وأمر قيس بن سعد بالمسير ، وودّعه وأوصاه ، فأخذ على الفرات وقرى الفلّوجة ، ثم إلى مسكن . وارتحل الحسن عليه السّلام متوجّها نحو المدائن ، فأتى ساباط فأقام بها أيّاما ، فلما أراد أن يرحل إلى المدائن قام فخطب الناس ، فقال : أيّها الناس ؛ إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت ، وإني واللّه ما أصبحت محتملا على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق ولا غرب ، ولما تكرهون في الجماعة والألفة والأمن ، وصلاح ذات البين خير مما تحبّون في الفرقة ، والخوف والتباغض والعداوة ، وإنّ عليا أبي كان يقول : لا تكرهوا إمارة معاوية ؛ فإنكم لو فارقتموه لرأيتم الرؤوس تندر « 1 » عن كواهلها كالحنظل . ثم نزل . فقال الناس : ما قال هذا القول إلّا وهو خالع نفسه ومسلّم الأمر لمعاوية ، فثاروا به فقطعوا كلامه ، وانتهبوا متاعه ، وانتزعوا مطرفا كان عليه ، وأخذوا جارية كانت معه ، واختلف الناس فصارت طائفة معه ؛ وأكثرهم عليه ، فقال : اللهمّ أنت المستعان ، وأمر بالرّحيل ، فارتحل الناس ، وأتاه رجل بفرس ، فركبه وأطاف به بعض أصحابه ، فمنعوا الناس عنه وساروا ، فتقدّمه سنان بن الجرّاح الأسديّ إلى مظلم ساباط ، فأقام به ؛ فلما دنا منه تقدّم إليه يكلّمه ، وطعنه في فخذه بالمعول « 2 » طعنة كادت تصل إلى العظم ، فغشي عليه وابتدره أصحابه ، فسبق إليه عبيد اللّه الطائيّ ، فصرع سنانا وأخذ ظبيان بن عمارة المعول من يده ، فضربه به فقطع أنفه ، ثم ضربه بصخرة على رأسه فقتله ؛ وأفاق الحسن عليه السّلام من غشيته ، فعصبوا جرحه وقد نزف وضعف ، فقدموا به المدائن وعليها سعد بن مسعود ، عمّ المختار بن أبي عبيد ، وأقام بالمدائن حتى بري من جرحه . وعن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، وعن أبي السفر وغيرهم قالوا : بايع أهل العراق بعد علي بن أبي طالب الحسن بن علي ، ثم قالوا له : سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا اللّه ورسوله وارتكبوا العظيم ، وابتزّوا الناس أمورهم فإنا نرجو أن يمكن اللّه منهم . فسار الحسن إلى أهل الشام وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في اثني عشر ألفا وكانوا يسمّون شرطة الخميس .
--> ( 1 ) تندر : تقطع . ( 2 ) المعول : حديدة ينقر بها الصخر .